محمد باقر الملكي الميانجي

12

مناهج البيان في تفسير القرآن

للنّاس . فالنوم من حيث نفسه آية من آياته تعالى ؛ ومن حيث كونه سباتا وسكونا ، جعله اللّه آية أخرى لرأفته ورحمته . فالبحث عن النوم بالمعنى الأوّل ، متوقّف على معرفة الروح وحقيقته وكونه مجرّدا أو أمرا مادّيّا ، وكيفيّة انعزاله عن البدن في النوم والموت والفرق بينهما ، وغير ذلك من الأبحاث الجليلة ؛ وبالمعنى الثاني ، يرجع إلى معرفة فوائد النوم في البدن الإنسانيّ وشدّة احتياج البدن إليه بحسب السنّة القيّمة الإلهيّة وغير ذلك من الحكم والعبر . قوله تعالى : « وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً ( 10 ) » . الظاهر أنّ اللّباس مصدر بمعنى الملبوس ؛ مثل الكتاب بمعنى المكتوب . واللّيل سترة عامّة تستر بظلمته جميع من دخل في ظلامه وسكن فيه . وقد خلق اللّه - سبحانه - اللّيل ، وجعله وسخّره لمنافع الناس . ومنها أنّه تعالى جعله لباسا لهم وساترا إيّاهم . ففي الصّحيفة المباركة السجّاديّة في دعائه - عليه السّلام - عند الصّباح والمساء : « فخلق لهم اللّيل ليسكنوا فيه من حركات التّعب ونهضات النصب . وجعله لباسا ليلبسوا من راحته ومنامه ، فيكون ذلك لهم جماما وقوّة ، ولينالوا به لذّة وشهوة . » أقول : قوله - عليه السلام - « ليسكنوا فيه . . . » إشارة إلى مفاد عدّة من الآيات الكريمة أن اللّه - سبحانه - جعل اللّيل سكنا للإنسان . قال تعالى : « هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهارَ مُبْصِراً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ » . ( يونس / 67 ) « قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَ فَلا تُبْصِرُونَ . وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ » . ( القصص / 72 و 73 ) أقول : قوله - عليه السلام - : « ليلبسوا من راحته ومنامه » . قد شبّه - عليه